لبنان: عودة الاحتجاجات الشعبية حيث يسبب الوضع الاقتصادي المتدهور معاناة واسعة النطاق
09-مايو/ايار-2020
تواصل السلطات في لبنان تطبيق سياسات تعسفية وقمعية للتعامل مع حركة الاحتجاج الشعبية، التي اندلعت مرة أخرى، منذ بدء الاحتجاجات لأول مرة في أكتوبر/تشرين الأول 2019. وقد استدعت قوات الأمن بعض الصحفيين والنشطاء للتحقيق معهم، ولاحقت المتظاهرين في الشوارع وألقت القبض عليهم. أفاد بعض المتظاهرين أنهم تعرضوا للضرب والتعذيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، أثناء احتجازهم. بالإضافة إلى ذلك، استخدم الجيش اللبناني القوة المفرطة و القاتلة غير المبررة لمواجهة المتظاهرين. يدين مركز الخليج لحقوق الإنسان استخدام العنف ضد المتظاهرين ويدعو إلى ضبط النفس في مواجهة الاحتجاجات السلمية.
استدعاء الصحفيين والناشطين و توقيفهم
بتاريخ 07 مايو/أيار 2020، ذكر الصحفي أيمن شروف (الصورة في الأعلى)، على صفحته في الفيسبوك أنه تلقى اتصالاً من مديرية مخابرات الجيش بثكنة راشيا طلبت منه الحضور في تمام الساعة الثانية عشر ظهر اليوم التالي ولم يتم إخباره بالأسباب. لقد قامت محامية حقوق الإنسان ديالا شحادة بالاتصال بهم ايضاَ بالنيابة عنه حيث استفسرت عن سبب الاستدعاء وعن الأمر القضائي ولكنها لم تحظى بجوابٍ وافٍ. لم تكتفي شحادة بذلك بل تقدمت أيضاً بطلب استفسار إلى القضاء العسكري عن أسباب الاستدعاء وتفاصيله القانونية.
يستخدم شروف صفحته على الفيسبوك في الدفاع عن الحراك الشعبي والتعبير بسلمية عن أرائه في الأحداث المهمة التي تجري في البلاد. وكذلك فأنه يكتب المقالات وينشرها في "المدن" وهي جريدة إلكترونية مستقلة. بتاريخ 24 ابريل/نيسان 2020 نشر مقالة تحدث فيها رئيس الوزراء الحالي حسان دياب تحت عنوان، "حسان دياب يُطالب الجامعة الأميركية بتحويل مستحقاته إلى الخارج" حيث يعتقد المراقبون أنها السبب في هذا الإستدعاء الذي انتهك الإجراءات القانونية المعمول بها.
كتب شروف على صفحته في الفيسبوك قائلاً، "أن حرية التعبير خط أحمر. القانون فوق الجميع، لكن لن نسمح بأن يكون مطية للقمع والترهيب بأي شكل من الأشكال." وهكذا فأنه رفض الاستجابة للاستدعاء بصورته الحالية التي لا تستند إلى القانون.
لقد تم خلال الاسبوعيْن الأخيرين استدعاء وتوقيف العشرات من الناشطين وحسب إحصائيات لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين فأن عدد الموقوفين من المتظاهرين الذين تعرضوا للعنف هو 207، وعدد المشاركين في الحراك الشعبي من الذين تعرضوا للعنف في ساحات التظاهر أو أماكن الإحتجاز قد بلغ 661 متظاهراً منذ بدء الاحتجاجات في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 ولغاية 01 ماري/آذار 2020. وأشارت إلى أنه وحتى تاريخ 06 مايو/ايار 2020، أستمر احتجاز 23 موقوف من المتظاهرين على الأقل، من ضمنهم قاصرين، على خلفية الاحتجاجات التي حصلت نهاية شهر ابريل/ نيسان 2020 وذلك في مدن، طرابلس، صيدا، زحلة، والتي كانت احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدهور قيمة الليرة اللبنانية.
بتاريخ 03 مايو/أيار2020، أصدرت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين ايضاً بياناً ذكرت فيه أنها، "تتابع توقيف العشرات من المشاركين في الاحتجاجات خلال هذا الأسبوع في مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما طرابلس وصيدا وزحلة والمتن. وقد علمت اللجنة لغاية الآن باستمرار توقيف 33 شخص على الأقل." وأضافت في بيانها هذا أنه تبين لها، "أن العديد من الموقوفين يتعرضون للعنف الشديد خلال إلقاء القبض عليهم وداخل آليات النقل وأماكن الاحتجاز التابعة لمخابرات الجيش، وذلك بناء لشهادة المحامين الذين قابلو الموقوفين وشهادة الذين افرج عنهم لغاية الآن. وتشير الأدلة الأولية إلى ان هذا العنف يهدف إلى انتزاع المعلومات ومعاقبة الموقوفين، مما قد يشكل جرائم تعذيب." وأضافت بقولها، "ان اغلبية الموقوفين تم إخفاؤهم قسرًا دون ان يعرف جهة ومكان احتجازهم لعدة ايام. ولم يعرف مكان احتجازهم الا بعد اصرار محامو لجنة المحامين." وأنه، "لم يتمكن اي من الموقوفين من مقابلة محام الا بعد طلب نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف."
بتاريخ 01 مايو/أيار2020، تم استدعاء الناشطتين دانا سلوم وروان البتلوني الى مخفر بعقلين، بعد استخدام الدهان لكتابة شعارات على جدراان المصارف في مدينة بعقلين الشوف.
تأثير جائحة فايروس كورونا (كوفيد-19) على المظاهرات
لقد تم اكتشاف أول إصابة في لبنان بتاريخ 21 فبراير/شباط 2020 وقد أعلنت الجهات المختصة في آخر إحصائياتها ان عدد الحالات المؤكدة قد وصل إلى 796 حالة وعدد الوفيات 26. لقد أعلن المجلس الأعلى للدفاع التعبئة العامة بتاريخ 15 مارس/آذار 2020 جرى تمديدها عدة مرات وكان آخرها لغاية 24 مايو/أيار2020. ولقد رافق ذلك إغلاق المدارس والجامعات اعتباراً من 29 فبراير/شباط 2020، وإغلاق المطاعم والمراكز السياحية اعتباراً من 06 مارس/آذار 2020، وإعلان حظر التجول بين السابعة مساءً و الخامسة صباحاً اعتبارً من 26 مارس/آذار 2020.
لقد كانت إحدى نتائج جائحة فايروس كورونا (كوفيد-19) قيام الحكومة بمنع التجمعات العامة وحظر التجول من أجل منع انتشار المرض مما أدى إلى توقف الحراك الشعبي عملياً. أن تدابير الإغلاق قد فاقمت من الأزمة الاقتصادية، وهي الاسوأ في تاريخ لبنان المعاصر، فقد نتج عنها تدهور الحالة الاقتصادية لكثير من المواطنين واستمرارا الهبوط في قيمة الليرة وتقييد البنوك لكمية المبالغ التي يستطيع المودعون سحبها من حساباتهم الشخصية وانتشارالبطالة بعد توقف الكثير من الشركات والمعامل والفنادق. لقد تبين أن 30% من السكان يعيشون تحت خط الفقر وهي نسبة يتوقع البنك الدولي أن تصل إلى 50% في هذه السنة 2020.
كان على الحكومة اللبنانية الإيفاء بإلتزاماتها حسب المادة (25) أولاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على:
"لكلِّ شخص حقٌّ في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحقُّ في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمُّل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه."
وهكذا وبعد أن وجدوا أنفسهم قد تم تركهم لوحدهم يواجهون الأزمات المتتالية ومنها هذه الجائحة بدون وجود خطوات فعالة إصلاحية حقيقية من قبل الحكومة، بدأ بعض اللبنانيين بالخروج من جديد بالرغم من قرارات الإغلاق إلى الشوارع محتجين على الحالة الاقتصادية المزرية التي وجدوا أنفسهم فيها.
انطلاق التظاهرات من جديد
بتاريخ 07 مايو/أيار 2020، تم تنظيم احتجاجات أمام البرلمان وقصر العدل في بيروت (الصورة على اليسار). لقد خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على تردى الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار وانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وعدم اتخاذ الحكومة لإجراءات فعالة لطمأنة المواطنين، وطالبوا بالإفراج عن عدد من المتظاهرين الموقوفين في طرابلس، بلدة المرج في البقاع، و صيدا، والذين تم اعتقالهم على أثرالمواجهات التي حصلت بينهم وبين القوات الأمنية في الأيام الماضية.
بمناسبة عيد العمال العالمي والموافق في 01 مايو/أيار، تجمع العشرات من المتظاهرين وسط بيروت، احتجاجاً على الغلاء والأوضاع المعيشية. كما نفذ آخرون مسيرات في مدينتي صور والنبطية جنوب لبنان. لقد حمل المشاركون في هذه المظاهرات الأعلام اللبنانية. لقد رفعوا عدة مطاليب لهم منها تصحيح أوضاعهم المعيشية، معالجة البطالة بين الشباب، الحد من ارتفاع اسعار المواد الغذائية، والقضاء على الفساد المستشري.
بتاريخ 28 ابريل/نيسان 2020، شهد لبنان تظاهرات في مختلف مناطقه ومنها صيدا، طرابلس، والعاصمة بيروت، حيث ندد المحتجون بالفساد المستشري والذي أدى إلى تردي الأوضاع المعيشية وقد نظمت عدة وقفات احتجاجية أمام عدد من المصارف تخللتها أعمال عنف من قبل بعض المحتجين حيث قاموا باستخدام المفرقعات النارية والمولوتوف والحجارة التي ألقوها بإتجاه مباني المصارف. لقد اشتبكوا مع القوات الأمنية.
في 28 أبريل/نيسان 2020 صباحاً، فقد الناشط فوّاز فؤاد السمّان (الصورة في الاسفل)، 26 سنة من العمر، حياته متأثراً بجراحه بعد أن أصيب برصاصة حيّة أمام البنك اللبناني الفرنسي في ساحة النور بمدينة طرابلس خلال المواجهات بين الجيش والمحتجين.
وقالت شقيقته الناشطة فاطمة فؤاد السمّان، وهي أول من نعاه وذلك على صفحتها في الفيسبوك، في مقابلة صحفية لها بأن شقيقها هو " شهيد الجوع، فهو كان يُطالب بأبسط حقوقه المعيشية نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية وتدنّي القدرة الشرائية." وحمّلت الجيش والقوات الأمنية مسؤولية قتل شقيقها لأنه حسب قولها، "توفى برصاص حيّ على عكس رواية الجيش وذلك بعد إصابته بنزيف حاد في بطنه." وأعلنت قيادة الجيش عبر حسابها في تويتر، "أنها فتحت تحقيقا بالحادث."
وكانت الاحتجاجات قد اندلعت في 27 ابريل/نيسان 2020، بمدن لبنانية عدة ومنها طرابلس، بعد هبوط سعر صرف الليرة إلى أكثر من 4000 ليرة مقابل الدولار وتدهور الوضع الاقتصادي. لقد رافقت هذه التظاهرات أعمال عنفٍ بتضمنها تكسير واجهات بعض المصارف، وقيام الجيش بإطلاق الرصاص الحيّ والرصاص المطاطي على المتظاهرين.
في طرابلس، هي ثاني المدن اللبنانية في الكثافة السكانية وأفقرها جميعاً، تجمع المئات من المتظاهرين حولي الساعة التاسعة مساءً في ساحة النور محتجين على تدهور أحوالهم المعيشية حيث حصلت اشتباكات بين المتظاهرين والجيش بعدما قام بعض المتظاهرين بتحطيم واجهة المصارف وإضرام النيران ورمي أفراد الجيش بالحجارة في محاولة لإخراجهم من الساحة. لقد قام أفراد الجيش بالرد بإستخدام الرصاص الحيّ والرصاص المطاطي.
لقد ذكر الصليب الأحمر اللبناني في بيانٍ له عقب هذه الأحداث انه، "تم رفع عدد الفرق المستجيبة إلى 11 فرقة في طرابلس وتم نقل 6 جرحى إلى المستشفيات حتى الان بالإضافة إلى إسعاف 30 مصاباً." وفي بيانٍ لقيادة الجيش صدر بتاريخ 29 ابريل/نيسان 2020، ورد فيه أنه، "نتيجة أعمال الشغب التي حصلت ليل أمس في ساحة النور بطرابلس أصيب 50 عسكريّاً من بينهم 6 ضباط." وفي بيان آخر لقيادة الجيش صدر بتاريخ 30 أبريل/نيسان 2020، "خلال الاحتجاجات الشعبية المطلبية في مختلف الأراضي اللبنانية، ونتيجة أعمال الشغب التي حصلت ليل أمس في مدينتي طرابلس وصيدا أصيب 23 عسكريّاً بجروح مختلفة، أحدهم إصابته بالغة وقد بُترت أصابع يده. وأوقفت قوى الجيش 24 شخصاً من بينهم سوريَان وفلسطينيان."
وكانت الاحتجاجات الشعبية قد بدأت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019 ورفعت مطالب سياسية واقتصادية تم ذكرها أعلاه. أن من المتوقع أن يعود وبشكل أكبر من السابق زخم المشاركة الجماهيرية في الحراك الشعبي بقوة بعد إنتهاء أزمة جائحة فايروس كورونا (كوفيد-19) عندما يسمح للناس بالتجمع علناً مرة أخرى.
الحكومة توافق على خطة اقتصادية مالية جديدة بعد الاحتجاجات
بتاريخ 30 أبريل/نيسان 2020، وفي ظل تصاعد الحراك الشعبي بالرغم من جائحة كورونا (كوفيد-19)، قام مجلس الوزراء بإقرار الخطة الاقتصادية- المالية وتم اقرارها بالاجماع حيث اوضح رئيس مجلس الوزراء حسان دياب، "ان الخطة التي اقرت ليست تاريخية فحسب بل تحدد مسار الدولة اللبنانية لإصلاح الواقع الحالي."
يحث مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة في لبنان على:
1. ضمان قيام كل من وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، النيابة العامة التمييزية، النيابة العامة العسكرية، مديرية مخابرات الجيش، مراكز الشرطة، وكافة الجهات الأمنية الأخرى التي تملك سلطة القيام باحتجاز المتظاهرين بوقف كافة أعمال التعذيب وإساءة المعاملة والاخفاء القسري ضد الناشطين والمتظاهرين وجميع المقيمين؛
2. إجراء تحقيق مستقل وحيادي وشامل وفوري في حوادث الاستدعاء والتوقيف التعسفي والاخفاء القسري والتعذيب والمعاملة السيئة، التي حصلت مؤخراً للمتظاهرين والناشطين بهدف نشر النتائج وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة وفقًا للمعايير الدولية؛
3. مطالبة السلطات، بما في ذلك مديرية استخبارات الجيش وجميع فروعها، تطبيق الإجراءات القانونية الأصولية للمعتقلين وبضمنهم المتظاهرين والناشطين والسماح لهم بالاتصال بأسرهم وتوكيل محام ٍفي كافة الأحوال؛
4. إطلاق سراح جميع المعتقلين من المتظاهرين السلميين والناشطين فوراً وبدون قيدٍ أو شرط؛ و
5. ضمان أن جميع المدافعين عن حقوق الإنسان في لبنان والذين يقومون بعملهم المشروع في الدفاع عن حقوق الإنسان، قادرون على العمل بدون مواجهة للقيود بما في ذلك المضايقة القضائية.