الأردن: يجب حماية الحريات العامة وبضمنها حرية التعبيروالحق في الخصوصية
17-مايو/أيار-2020
أن سلسلة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأردنية للتعامل مع جائحة فيروس كورونا، والتي تم اتخاذها للحفاظ على حياة المواطنين وسلامتهم، قد أثرت أيضاً على حقوقهم في حرية التعبير والخصوصية. في حين أنه قد يُنظر إلى بعض التدابير على أنها اتخذت لحماية الناس، مثل إعلان حظر التجول، فإن مركز الخليج لحقوق الإنسان يعتقد أن الحكومة قد إنتهكت الحق في حرية التعبير والحق في الخصوصية، بما في ذلك عن طريق اعتقال العديد من الصحفيين والمواطنين بسبب تقارير عن الصعوبات الاقتصادية، وعن طريق تشجيع المراقبة المفرطة.
في 20 مارس/آذار2020، أعلنت رئاسة الوزراء الاردنية أن قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1993 سيستخدم كأساس للمساعدة في مواجهة هذا الفايروس ووقف انتشاره، والذي بموجبه تم إصدار 11 امراً للدفاع حتى هذه اللحظة. ويمنح قانون الدفاع رئيس الوزراء سلطات واسعة لتقييد الحقوق الأساسية. لكن رئيس الوزراء عمر الرزاز تعهد بتطبيقه "في أضيق الحدود"، وصرّح أنه لن يمسّ الحقوق السياسية أو حرية التعبير أو الملكيات الخاصة.
في 15 أبريل/نيسان 2020 و بموجب حالة الطوارئ، صدر أمر الدفاع رقم 8 الذي اعتبره مدافعي ومدافعات حقوق الانسان انه لا يُراعي التزامات الأردن الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي مطالعة قانونية أجرتها هيئة تنسيق مؤسسات المجتمع المدني "همم" لأمر الدفاع رقم 8 بعنوان، "أمر الدفاع (8) بين الضرورات وتقييد الحريات" تم تقييم تأثيراته على الحريات العامة.
لقد حذرت "همم" من أن ماورد في أمر الدفاع 8 وما استخدمه من عبارات فضفاضة من الممكن ان تؤدي الى المساس بحق التعبير وتقييده بطريقة تخالف أحكام الدستور. أن الفقرة 2 من المادة 2 من أمر الدفاع رقم 8 الأردنية تحظر "نشر أو إعادة نشر أو تداول أي أخبار عن الوباء من شأنها ترويع الناس أو إثارة الهلع بينهم عبر وسائل الإعلام أو الاتصال أو وسائل التواصل الاجتماعي"، وتصل العقوبات إلى السَّجن ثلاث سنوات وغرامة 3 آلاف دينار أردني (4,230 دولار)، أو كليهما.
أن عبارة "ترويع الناس وإثارة الهلع بينهم" عبارة فضفاضة جداً ويدخل ضمنها طائفة واسعة من الأخبار كالأرقام وتداعيات الجائحة من مختلف النواحي وغيرها من الأمور، وقد تشمل آلية تعامل الحكومة والجهات المعنية مع هذه الجائحة. ويشكل التجريم بهذا الشكل الفضفاض إلى الحد من قدرة وسائل الإعلام في أداء دورها التحليلي والرقابي الذي تكون البلاد بأمس الحاجة إليه في فترات الطوارئ.
لقد حدثت قبل اصدار أمرالدفاع رقم 8، عدة اعتقالات تنتهك حرية التعبير، كان أهمها ما أعلنته بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2020، فضائية "رؤيا" الأردنية عن اعتقال مديرها العام فارس الصايغ (الصورة على اليمين) ومدير الأخبار فيها محمد الخالدي (الصورة على اليسار). وقالت القناة، إن الاعتقال قد جاء عقب مباشرة النيابة العامة لدى محكمة أمن الدولة التحقيق مع الصايغ والخالدي على خلفية بث تقرير على شاشة القناة ومنصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. وأشارت مصادر محلية موثوقة إلى أن التوقيف يرتبط بمقطع فيديو تم نشره على نطاقٍ واسع في 8 أبريل/نيسان، يضم مقابلات تلفزيونية يُعرب فيه عمال أجرة يومية (مياومة) أردنيون عن شكواهم من الوضع الاقتصادي بسبب حظر التجوال المفروض كإجراء احترازي من فايروس كورونا (كوفيد-19). لقد أخلت النيابة العامة لدى محكمة أمن الدولة، مساء يوم 12 أبريل/نيسان 2020، سبيلهم بكفالة عدلية.
كما اعتقلت السلطات تعسفياً سليم عكاش (40 عاماً) في 14 أبريل/نيسان 2020، وهو صحفي بنغالي مقيم في الأردن، وذلك لمشاركته تقريراً تلفزيونياً على حسابه في الفيسبوك يتطرق إلى الصعوبات التي يواجهها العديد من العمال البنغاليين في الأردن أثناء الإغلاق بسبب فايروس كورونا. وقال أحد أفراد أسرته إن ثلاثة أمن رجال بثياب مدنية ألقوا القبض على عكاش أمام منزله من دون التعريف عن أنفسهم وبدون أمر قضائي. قال الشخص نفسه إن عكاش اتصل في 17 أبريل/نيسان من سجن السلط، قائلا إنه سيمثُل أمام المحكمة "لإنتهاكه قانوناً خطيراً" لم يحدده.
وفي 07 أبريل/نيسان 2020، اعتقلت السلطات الأردنية العضو السابق في البرلمان سليم البطاينة، 63 عاماً، وقريبه معتصم البطاينة. لقد أكد شخصان من عائلتهما أن الأسرة لم تعرف مكانها حتى 12 أبريل/نيسان، عندما أبلغهم أحد أعضاء المركز الوطني لحقوق الإنسان بأنهما في سجن السلط بشبهة "تقويض نظام الحكم"، حيث ُتعتبر جريمة بموجب قانون مكافحة الإرهاب، والتي تقع ضمن الولاية القضائية لمحكمة أمن الدولة شبه العسكرية. أن هناك العديد من الحالات الموثقة السابقة التي توضح كيف يمكن للسلطات الأردنية أن تسيء استخدام هذه التهمة من أجل الحد من النشاط والنقد السياسيَّين
كما وتم اعتقال ثلاثة أشخاص روجوا إشاعات عن انتقال فايروس كورونا في الأردن. كان أحدها بحق شخص روج اشاعات حول فايروس كورونا في منطقة صويلح في عمان، وآخر "روج عبر تسجيلات صوتية إشاعات حول نية الحكومة إعلان حظر شامل"، وثالث لادعاء وجود حالة وفاة بالفايروس بمدينة الزرقاء. أعلنت الشرطة في 15 أبريل/نيسان ملاحقتها شخصا ادعى وجود "عصيان" للسجناء في سجن ماركا بعمان.
وفي تطور مثير للقلق يؤثر على خصوصية الناس، قامت الحكومة الاردنية بإنشاء تطبيق إلكتروني (كارادار) للتعقب المستمر عن التجمّعات بمختلف أشكالها، أو عند الإشتباه بحالات إصابة، مع إمكانيّة تحديد الموقع بدقّة؛ لتمكين الأجهزة المعنيّة من التعامل معها. أن هذا ما يمكن اعتباره وسيلة مراقبة او واسطة لتشجيع ثقافة الاستخبار، وممارسة المواطنين دور المخبر في تقديم تقارير للدولة، الأمر الذي يمسّ بشكل مباشر حرية الأفراد. أن من غير المقبول أن تقوم السلطات بتشجيع المواطنين على القيام بإنتهاك حريات الافراد الاساسية، أسوةً بالحكومة نفسها.
وفي ظل قانون الدفاع، تم مؤخراً معاقبة مجموعة من الشباب الاردنيين العائدين من الخارج وذلك لمخالفتهم شروط الحجر الصحي في المساكن التي خصصتها لهم الدولة في منطقة البحر الميت، حيث قاموا بإحياء سهرة شبابية تخللها الدبكة و انتشر الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار غضباً شعبياً ومطالبات بتنفيذ عقوبات بحق هؤلاء الطلاب، وهو ما استجابت له الدولة وقامت بحلق شعر الطلاب "على الصفر"، وتصدر وسم #على_الصفر قائمة المواضيع الأكثر تداولاً على "تويتر" في الأردن، ما بين مؤيد لإجراء الحكومة وبين معارض للإجراء الذي اعتبره حقوقيون مخالفاً للقانون. وليس ذلك فقط، بل قام وزير الصحة سعد جابر، بالإعلان عن هذا "الإنجاز" عندما قال: "الشباب حلقولهم عَلى الصفر." بالإضافة إلى نشر صورهم عبر وسائل إعلامية.
أن هذا الاجراء مخالف للقانون إذ أن هذه العقوبة غير منصوص عليها في قانون العقوبات الاردني، ففي القوانين المدنية لا توجد عقوبة حلاقة شعر، وكذلك فأن نصوص قانون الدفاع ايضا لا تتيح اختراع مثل هذه العقوبات.
يدعو مركز الخليج لحقوق الإنسان الحكومة الأردنية إلى:
1. الابتعاد عن سن أوامر دفاع تتناول أحكاما نظمتها القوانين والتشريعات؛
2. ضرورة صدور تشريع يحمي الحق في الخصوصية وفقاً لأحكام الدستور وأن تتوائم مع المبادئ والمواثيق الدولية؛
3. تعديل المادة 11 من قانون الجرائم الالكترونية، والتي تنص على عقاب كل من قام قصداً بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الالكتروني أو أي نظام معلوماتي تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص بالحبس مدة لا تقل عن 3 أشهر وبغرامة لا تقل عن 100 دينار ولا تزيد على 2000 دينار؛
4. إلغاء المادة 2/118 من قانون العقوبات التي تعتبر انها تحد من حرية التعبير،وتنص على "من أقدم على اعمال أو كتابات أو خطب لم تجزها الحكومة ومن شأنها أن تعرض المملكة لخطر أعمال عدائية أو تعكر صلاتها بدولة أجنبية أو تعرض الاردنيين لأعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم"؛
5. استثناء جرائم حرية الرأي والتعبير والإعلام الواردة في المادة 149 من قانون منع الارهاب من تطبيق أحكام قانون محكمة أمن الدولة عليها؛
6. ضمان أن جميع مدافعي حقوق الإنسان وبضمنهم الصحفيين والمدونين وناشطي الإنترنت في الأردن قادرون على القيام بعملهم المشروع دون خوف من الانتقام وبصورة خالية من جميع القيود بما في ذلك المضايقة القضائية واضطهاد أسرهم.